قراءات مقالات

في صُحبة المُعجم المُنجِد


(1)

     في رحلة التكوين العلمي لدارس العلوم العربية والأدبية والإنسانية والدينية؛ ثمة بدائِه ونصوص وكتب يظل المرء يسمع بها، أو ينقل عنها عبر وسيط آخر، أو يمر بها عَجِلاً دون أن يفكر في العكوف عليها، والظهور عليها ولو عبَرَت به سنينَ عدداً، وإمعان النظر في مطاويها، ومقاصد كُتَّابِها، بل وما تحتويه من مباحث وفصول، ومُلَح.

     ومن تلك الكتب التي ظللتُ أسمع بها، وربما رجعتُ إليها سريعاً، مَعْلَمةُ الأديب واللغوي لُوِيس مَعْلُوف (1365 هـ = 1946م) الموسومة بـ((الـمُنْجِد في اللغة والأعلام))، التي كتبها أثناء رئاسة تحريره لجريدة «البشير» (من سنة 1906م إلى سنة 1933م).
     والذي حدا بي للبحث عن المعجم الـمُنجِد، واقتناؤه بِأَخَرَة -ولم يبرح طاولة مكتبي مُنذئِذ= إشارة تذكيرية من الأستاذ الناقد حسين بافقيه -متع الله به-، في ذيل مقالته ((ذكرياتٌ مُعجمية)) التي نشرها في شهر رمضان لعام 1444هـ في إذاعته الكتابية ((خاطريات)). -عبر برنامج التيليجرام  Telegram-.
     وإشارةُ الأستاذ بافقيه جاءت في مَعرضِ حديثٍ له عن دور ((المعجم الوسيط)) في تكوينه اللغوي والأدبي، ضمن تدوينه لانطباعاتٍ ذاتية، مبعثُها خواطر وذكرى معرفية عاشها ردحاً من الزمن مع المعجم الوسيط وغيره من أُمهات المعاجم في التراث العربي قديمه وحديثه.
     لقد اعترتني حشرجةُ صَدْرٍ حينما ظفرتُ بمنجد اللغة والأعلام، فرَحاً به، وأسفاً على نفسي= لأن هذا السِّفر الجليل لم يكن مصاحباً لي في بداية التكوين المعرفي؛ رغم عشقي لقواميسِ الكَلِم العربي، المعجمية والدلالية والمصطلحية عامةً كـ مقاييس ابن فارس، ومفردات الراغب، ومنال ابن الأثير، وكليات الكفوي، وتعريفات الجرجاني، وحتى الإنجليزية كـ ومورد البعلبكي، وأوكسفورد، ولونجمان؛ فضلاً عن تلك السلسلة من المعاجم التخصصية التي أصدرتها مكتبة لبنان كـ كشاف التهانوي.

(2)

     وعمر هذا المعجم اليوم أزيد من مائة عام، وهو ضمن سلسلة جهود اليسوعيين=المسيحيين في خدمة اللغة العربية مُعجميًا، فقد أخرجه الأب لويس المعلوف عام ((1908م=1326هـ)). اختصر فيه معجم ((محيط المحيط)) لبطرس البستاني ((1819م=1234هـ))، مع رجوعه كثيرًا إلى موسوعة ((تاج العروس من جواهر القاموس)) للزبيدي –اليمني ثم المصري-((1145-1205هـ))، حيث إنه سار على نظامه، إلا أنه أضاف إليه بعض جزئيات استقاها من المعاجم الأجنبية في الأزمنة الحديثة= كمعجم المستشرقين المعروف بـ((دائرة المعارف الإسلامية))، ومعجم سركيس، و((مجاني الأدب)) للأب شيخو، و((تاريخ التمدن الإسلامي)) لجرجي زيدان، و((تاريخ الآداب العربية)) لـ بروكلمان، و((تاريخ الآداب العربية المسيحية))  لـ غراف(بالألمانية) ، والإينسيكلوبيديات الغربية.
     تميز القاموس المنجد-كما يصفه حسين نصار((1925م-2017م))[1] بغزارة المواد التي يحويها، ووفرة الصور التوضيحية، وقد جعلت هذه الأمور “المنجد” من أحسن المعاجم الحديثة تنظيمًا وتوضيحَا للألفاظ إضافة إلى توالي طبعاته، وتطويره مُنذ تأليفه، الأمر الذي جعل طلاب المدارس في كل البلاد يُقبلون عليه، ويصطحبونه في مقاعد الدرس النظامي الحديث.
     وأصل وضع قاموس المنجد نشأَ من حاجةِ طلاب العلم أصالة-وللمُتأدب والكاتب تبعًا- إلى “معجم ليس بالـمُخلِّ الـمُعوِز، ولا بالطويل الـمُمل[2] ومع ذلك يثري هذا المعجم الطالب بغزارة المادة المعجمية، مما يعينه على الكتابة وإنشاء البيان العربي.
     ومما زاد في حُسنِ تطريزِ القاموس المنجد روعة وجمالاً=تزيينه بصور توضيحية “تـُمثِّلُ للعين بعض الأوصاف، وتقوم مقامَ الشروح الطويلة، وتـُخفف عن الفكرة بعض العَناء في تفهُّم الأشياء وإثباتها[3]“.
     والجميل في النشرة الثالثة والأربعون التي صدرت عام 2008م= وبذيلها (المنجد في الأعلام) في طبعته التاسعة والعشرين= قيام دار المشرق باستكتابِ ثـُلةٍ من المختصين -(=لم تُذكر أسماؤهم، وليتها ذكرتهم لنا)- بزيادة مئات المفردات والمعاني المستحدثة من لغة المعاصرين إلى معجم المنجد، إضافة إلى عشرات اللوحات التعريفية بمدارس الفنون التشكيلية، فضلا عن الجداول التاريخية، والخرائط الجغرافية، ومسرد الأمثال الأدبية والمصطلحات العلمية، ومصطلحات مستجدات العلوم والمعارف والأحداث حتى عام 2006م.
     أما قسم الأعلام من المنجد-الذي أضافه في الأصل الراهب فردينان توتل ((1887م-1977م)) فقد عرَّفتنا الدار بالقائمين على تحريره.

(3)

     أما عن النقد الذي وُجه إلى معجم المنجد= ففي ستينات القرن العشرين الميلادي أنشأ منير العمادي في ((مجلة المعرفة)) الدمشقية سلسلة مقالاتٍ نقدية[4] لبعض مواد المنجد. ثم تلاه في سبعينات القرن العشرين الميلادي عبد الله كنُّون((1908م-1989م)) في كتابه ((نظرة في منجد الآداب والعلوم[5]))، والعمادي وكنون انطلق نقدهما من ناحية لغوية-عامةً- بقصد تطوير المنجد وإثرائه، خلافًا لبعض النقد المتأخر الذي جاء في تسعينيات القرن العشرين الميلادي[6]=فقد كان منشأه الموقف الديني والخلاف العقدي أصالة بين صاحب المنجد = ذو الخلفية المسيحية، الأمر الذي جعل البعض يصفه بأنه “معجم نصراني[7]” خالص.
     إن كثيرًا من مواد المنجد بحاجة إلى إعادة نظر وتحرير-وهو عمل فردي-، والملاحظ في مسيرة المعجم المنجد أن الجهود لم تتوقف في تطويره -حتى عهد قريب من تاريخ كتابة هذه المقالة- ( فقد صدر عام 2018م «المنجد المفصل»، بنسختيه: عربي / فرنسي، وعربي / إنجليزي)، وقرأتُ أن «دار المشرق» ستُطلق «المنجد الإلكتروني» وهو سبقٌ معلوماتي يخدم الوصول السريع لمفردات اللغة العربية، ويُضاف إلى الجهود المعجمية الرقمية الوليدة كـ«معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، و«المعجم التاريخي للغة العربية بالشارقة».
     ومع ذلك إني لأعتقد أن كل النقود اللغوية والعقدية التي وُجهت للقاموس المنجد= ليست بديلة عنه، بل هي مكملة له، ويستحضرها الباحث والدارس حين مطالعته إياه، ولا يعزل نفسه من ثراء وتنوع محتويات هذا المعجم النفيس.
     وقصدي في ذلك ألا يحرم الباحث والكاتب والأديب والصحفي والإعلامي نفسه من ثمرات المنجد وثراءه وإمتاعه، والشأن في المنجد كما قال العلامة كنُّون أنه “سدَّ فراغًا في ميدان المعاجم اللغوية المتوسطة… ومنذ ظهوره وأقلام العلماء والنقاد تتناوله بالنقد والتقريظ بحيث أخذ كفايته من الدراسة والوزن الصحيح[8]“.
——————
* الإحالات: 

[1] المعجم العربي: نشأته وتطوره، ط، الرابعة، 1988م=1408ه، دار مصر للطباعة، (ص579-580) بنحوه.
[2] المنجد، ط، الثامنة والأربعون، 2014م(طبعة المئوية الأولى)، دار المشرق، بيروت-لبنان، المقدمة، د، م.
[3]  م. س.
[4]  مجلة المعرفة، عدد 20-21، 1963م، عدد 30، 1964م، عدد 3-4، 1965م، عدد 1، 1966م.
[5]  نشرة معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة-مصر، 1979م.
[6]  إبراهيم عوض، النزعة النصرانية في قاموس المنجد، ط، الأولى، 1411هـ = 1991م، دار الفاروق، الطائف-السعودية، ص10.
[7]  م. س، ص10.
[8]  نظرة في منجد الآداب والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة-مصر، 1979م، ص5.

 

  • (قناة مدونة أحمد الحمدي عبر التلجرام)

 

اكتشاف المزيد من /مدونة/ أحمد الحمدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading