مقالات

محدودية الإنسان والحاجة إلى مركزية الله

        ثمة فكرة أو قيمة جوهرية في الدين يحاول غرسها عبر خطابه الإيماني لدى المؤمن؛ لهذه القيمة حضور كثيف عبر كافة التشريعات والممارسات التعبدية، الفكرة هي: أن يظل المؤمن مستحضراً لحدوده البشرية، وقدراته الضئيلة أمام سعة الكون، بل أمام حدود وجوده الزمني القصير في عمر الحياة الكبرى.
      وهذه القيمة مبعثها مركزية الله في رؤية العالم بالنسبة للمؤمن، خلافاً لمركزية الإنسان في الرؤية اللآدينية= تلك المركزية التي تجعل من الإنسان المبدأ والمنتهى في الوجود، حيث إن الإنسان في الرؤية التي تتكئ على مرجعية الإنسان المطلقة دون سواه، رؤية مُخلِدة إلى الأرض، غير ملتفتة إلى سماء المعنى.
      المؤمن ينطلق من منظور مركزية الإله=لاستحضاره حقيقة تجريبية لا تقبل الدحض والتزييف: إن وجود هذا الكائن الإنساني في الكون، ووجوده العام، وجود محدود زمانًا ومكانًا.
     هذا الاستحضار/الحضور يسميه بعض علماء التربية والسلوك في التراث الإسلامي بـ( الافتقار إلى الله). فالمتأمل في جميع العبادات القلبية والعملية في الإسلام يرى أن الافتقار إلى الله = هو الصفة والقاسم المشترك الجامع للعبادات الظاهرة والباطنة.
     إذ أن شعور المحدودية البشرية يؤدي إلى الشعور بالحاجة=والفقر والافتقار إلى الوجود الغني المطلق واللآمحدود، الأمر الذي يؤدي إلى سلام داخلي، وطمأنينة، وسكينة، ويقين أمام الخوف من المجهول.
     إن أخص خصائص العبودية للإله الحق المعبود = هي استحضار شعور الافتقار المطلق لله = فهوحقيقة العبودية ولُبُّهَا[1]” –كما يقول ابن القيم-.
    وشعور الافتقار إلى الله ليس دروشة صوفية، بل رؤية نفسية مستبصرة= حقيقتهاأن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كُلُّك لله، وإذا كنتَ لنفسك فثمَّ مُلْك واستغناء منافٍ للفقر[2]“.
     وحقيقة الافتقار الإيماني: دوام استحضار الحاجة إلى الله في كل حال، وأن يستحضر المؤمن ويشهد في كل ذرة من ذراته، الظاهرة والباطنة، فاقته وافتقاره واحتياجه التام إلى الله من كل وجه[3].
    وطريق استشعار الافتقار إلى الله يتقدمه أمرآن:
     –الأول: إدراك عظمة الخالق وجبروته في كونه الفسيح.
    فإنأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وجلاله وكماله[4]“.
     –الثاني: إدراك ضعف الكائن البشري.
    فقد جاء في القرآن الكريم ((‌فَلْيَنْظُرِالْإِنْسَانُمِمَّخُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) الآية.
    إلا أن هذا الافتقار له علامات تدل عليه، تدفع الناظر إليها، والعامل بها= إلى تحقيق لب العبودية بـدوام الافتقار إليه.
 – العلامة الأولى: غاية الذل لله مع غاية الحب= هو الشعور الحقيقي بالحرية الإنسانية.
     يقول ابن القيمأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً لله وانقيادا، وطاعة[5]“. أما الحب فـفَكُلَّمَا ازْدَادَ الْقَلْبُ حُبًّا لِلَّهِ،ازْدَادَلَهُعُبُودِيَّةً، وَكُلَّمَاازْدَادَلَهُعُبُودِيَّةً، ازْدَادَ لَهُ حُبًّا وَحُرِّيَّةً عَمَّا سِوَاهُ وَالْقَلْبُ فَقِيرٌ بِالذَّاتِ[6]كما يقول ابن تيمية. وهذا وذلك الذل، وتلك المحبة من ثمراتها: السكينة الروحية، والطمأنينة القلبية، والتواضع السلوكي.
العلامة الثانية: التعلق بالله وبمحبوباته.
    – فإن صحارى الدنيا تقطع بالأقدام، وصحارى الآخرة تُقطع بالقلوب[7].
 – العلامة الثالثة: مداومة ذكر المحبوب سبحانه.
    – “إن في القلب  خَلَّة ]=فجوة[ وفاقة، لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله[8]“. –كما يقول ابن القيم-.
 –  العلامة الرابعة: الوجل والخوف من عدم قبول العمل.
    ويتحقق الوجل والخوف من عدم القبول بأربعة أمور:
    1- أن الله غني عن طاعات العباد.
    2- أن قبول الأعمال إنما هو من فضل الله ورحمته،  ولهذا كان النبيصلى الله عليه وآله وسلميقول: «وَاللهلَاأدْرِيوَأنارَسُولُ الله مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ وَبِكُمْ[9]» الحديث.
    وقدكان الصحابة ومن بعدهم يخافون على أنفسهم النفاق! فالمؤمن يخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة سوء عمله؛ فإن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة[10]“.- كما يقول ابن رجب-.
   3- أن المِنَّة والفضل إنما هي لله جميعًا.
   4- أن العبد لا يأمن على نفسه الغرور والافتتان.
   – قال مطرف بن عبد الله الشخيرلأن أبيت نائما وأصبح نادماً؛ أحب إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً[11]“.
   – العلامة الخامسة: خشية الله في السر والعلن.
   – قال سعيد بن جبيرإن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية[12]“.
   – العلامة السادسة: تعظيم التشريع الإلهي: الأمر والنهي.
     فإناستقامة القلب تكون بشيئين:
 أحدهما: أن تكون محبة الله تتقدم جميع المحاب. ثانيهما: تعظيم الأمر والنهي؛ وهو ناشئ عن تعظيم الآمر والناهي[13]“-كما يقول ابن القيم-.
   – العلامة السابعة: سرعة الإنابة والاستحضار لحقيقة الضعف البشري وإمكانية الخطأ.
   – فقد جاء في حديث الصباح(=سيد الاستغفار): الاعتراف بالضعف والافتقار البشري «…وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ،أَبُوءُ (=أعترف) ‌لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ[14]».

 

———

* الإحالات

[1] مدارج السالكين، (2/ 439). ومعظم الإحالات عن كتاب: (الافتقار إلى الله لب العبودية) لـ أحمد الصويان، كتاب البيان، مجلة البيان، الطبعة الأولى، 1425هـ.
[2] المدارج، (2/411).
[3]  المصدر السابق، (2/ 440).
[4]  كما يقول ابن رجب، وبنحوه قال ابن القيم. الخشوع في الصلاة، ( ص: 20 )، ( الروح ص: 232).
[5]  مفتاح دار السعادة، (1/ 500).
[6] مجموع الفتاوى، (10/193).
[7]  كما يقول يحيى بن معاذ -أحد علماء السلوك الروحي-.  ابن الجوزي، صفة الصفوة، (2/294).
[8] الوابل الصيب ( ص: 139).
[9] أخرجه البخاري من حديث أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصحيح 3/ 114، كتاب الجنائز (23)، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه (3)، الحديث (1243)، وفي 12/ 410، كتاب التعبير (91)، باب العين الجارية في المنام (27)، الحديث (7018).
[10] جامع العلوم والحكم، لابن رجب (6/ 32).
[11]  الزهد، لعبد الله بن المبارك، ( ص: 151).
[12]  حلية الأولياء، ( 4/ 276)، وسير أعلام النبلاء ( 4/ 326).
[13] الوابل الصيب، (ص: 24- 39).
[14]  «صحيح البخاري» (5/ 2324 ت: البغا).
  • (قناة مدونة أحمد الحمدي عبر التلجرام)

اكتشاف المزيد من /مدونة/ أحمد الحمدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading