تصنيف:مقالات

قراءات مقالات

سجون نختار أن نحيا فيها

“يجب أن تكونَ يـقظًا في مواجهةِ ردودَ فِعلك وغرائِزك”. (دوريس ليسينغ).

    أكبر القيود التي يمكن للإنسان أن يَرسُفَ في أغلالِها الإنسان = هي تلك القيود الذهنية التي يتلقاها أو يصطنعها لنفسه، ويعيش في حدودها ثم يوهم نفسه أنها منطق الصواب، وإقليم الراحة والأمان. 
    كم هي موجعة مواجهة الحقائق في الحياة الفردية والاجتماعية حينما نسمح لكل حَدَثٍ أن يتجلَّى كما هو، لا كما نريد له أن يكون.
    إن حياة وأدب (دوريس ليسينغ Doris Lessing) (1919- 2013م) الكاتبة والروائية البريطانية، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2007م = مليئة بمواجهة أغلال القيود الذهنية والثقافية التي تلقاها الإنسان الغربي الحديث، عن الكثير من الشعوب الأخرى، قيود اصطنعها وعاش مؤمنًا بها، وبأن كل ما يفعله هو منطق الصواب.
    مارست دوريس ليسينغ نقد الاستعمار، إلى نقد العنصرية، إلى نقد الممارسات البيئية، إلى النقد الاجتماعي، والانحياز تارة إلى الاشتراكية الشيوعية ثم نقدها، وتارة إلى النسوية ونقدها، ونقد الطائفية وجذورها = وذلك في كل أعمالها الأدبية والروائية منها خصوصًا.
    في كتابها الصادر عام 1986م، بعنوان: (سجون نختار أن نحيا فيها[1]طرحت خلاله مجموعة من خمس مقالات/محاضرات ألقتها في تواريخ ومناسبات متفرقة، وقدمت خلالها بصورة مباشرة وصريحة ما تعتقد أنه منطق الصواب الأخلاقي الذي يجب أن نستوعبه من درس الأدب والتاريخ.
    تطرح دوريس ليسنغ أسئلة أخلاقية مركزية على الإنسان الحديث[2]: “نحن في زمن من المخيف فيه أن نكون أحياء، حيث يصعب أن نفكر في بني البشر كمخلوقات عاقلة. فأينما نولي نظرنا نرى الوحشية والغباء، حتى ليبدو أنه لا يوجد عداهما شيء نراه = انحدار نحو الهمجية في كل مكان، ونحن عاجزون عن كبحه. ولكني أعتقد أنه رغم حقيقة وجود تدهور عام، وتحديدًا لأن الأمور مخيفة لهذه الدرجة، فقد أصبحنا منوَّمِين مغناطيسيًا، فلا نلاحظ القوى المماثلة في الظهور والموجودة على الجانب الآخر، وهي باختصار قوى العقل والرشد والتحضر، وإذا لاحظناها فإننا نستهين بها”.
    إن الحل الذي يحتاجه إنسان الأزمنة الحديثة -حسب ليسينغ- هو تنمية القدرة على مراقبة أنفسنا من وجهات نظر أخرى، أي أن يحكم الرشد العقلي حياتنا الإنسانية، وأن نرى بالعين الأخرى:كيف يا ترى سنبدو للقادمين من بعدنا؟ سيتعجب القادمون من بعدنا أشد العجب، كما نتعجب نحن من أسلافنا في كثير من الأمور.
    إن ما نعرفه الآن عن أنفسنا أكثر تطورًا وعمقًا عما كان معروفًا فيما مضى، لكن المسألة ليست في كَمِّ المعرفة ونوعها =بل في وضع المعرفة الصائبة في موضع التنفيذ الصائب. ودور الكتاب والأدباء والمثقفين هو دور أشبه ما يكون بجهاز الفحص الذاتي للأوضاع البشرية وتحسينها ودلالتها على الخير والصواب.
    لكل منا جزء من الأوهام المريحة، تارة تكون أوهامًا كبيرة، وتارة تكون أوهامًا صغيرة، أوهام يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. وهذه الأوهام يتعذر فحصها ودراستها، ما لم ننفتح على أنفسنا بعين أخرى.
    تتساءل ليسنغ “هل يمكن أن يحتج أي شخص الآن؟ لقد أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا، إن مشاهدتنا ليلة بعد ليلة، ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام للأهوال الجارية في أنحاء العالم أفقدتنا حساسيتنا تمامًا مثل أولئك الجنود الذين حُوِّلوا عمدًا إلى قساة.
    يبدو لي أكثر فأكثر، أننا نخضع إلى موجات من العواطف الجماعية، ولا يكون ممكنًا طوال فترة بقائها إثارة أسئلة هادئة جادة. وليس على المرء أثناءها سوى إغلاق فمه والانتظار، فكل شيء يمر… ولكن هذه الأسئلة الهادئة الجادة وإجاباتها الهادئة الجادة المتجردة عساها في الوقت ذاته أن تُنجينا.
    وأنا أنظر إلى حياتي التي استمرت الآن ستة وستين عامًا، فما أراه هو تعاقب أحداث جماعية كبرى، فورانات للمشاعر، انفعالات متحيزة وجامحة، تمر وتمضي، ولكن أثناء بقائها، لا يكون في وسعك سوى التفكير في أن”هذه الشعارات، أو الاتهامات، أو الادعاءات، أو نفخ الأبواق، ستبدو قريبًا للجميع شيئًا سخيفًا بل ومُخجِلا”. ولكن من غير الممكن قول ذلك أثناءها”.
    في سبيل رشد إنساني ذاتي ومجتمعي تدعو ليسنغ إلى تعليم الأطفال الأدب والتاريخ= كقصة لا يتعلم المرء منها ماذا حدث فحسب، بل أيضًا ما قد يحدث، ومن الأرجح أن يحدث مرة أخرى، أن يتعلم الطفل ما يظهر في الحياة عبر سياقات مختلفة.
    الأدب والتاريخ، هذان الفرعان العظيمان من الثقافة الإنسانية (=الأنثروبولوجيا)، والذاكرة الإنسانية (=التاريخ)، اللذان يسجلان السلوك الإنساني، والفكر الإنساني= يمكن أن نتعلم منهما كيف ننظر إلى أنفسنا، وإلى المجتمع الذي نحيا فيه بطريقة رزينة هادئة ناقدة.
    إن الرهان القادم في الوضع البشري العام هو في جذره الأولي رهانٌ عل الفرد -كما تراه ليسينغ-: فـ”حينما ننظر إلى الوراء، نرى الأثر العظيم الذي يمكن أن يُحدثه الفرد، حتى الشخص غير المعروف الذي يحيا حياة بسيطة هادئة.
    فالأفراد هم من يغيرون المجتمعات، ويولدون الأفكار، هم من يقاومون تيارات الآراء ويغيرونها. ويصدق هذا على المجتمعات المنفتحة مثلما يصدق على تلك القمعية، وإن كان معدل الخسارة بالطبع أعلى في المجتمعات المغلقة.
    تقول ليسينغ:” إن كل ما مر بي علمني أن أعلي من قيمة الفرد، الشخص الذي يُنمّي طرقه، أو طرقها، الخاصة في التفكير ويحافظ عليها، الشخص الذي يصمد أمام تفكير الجماعة، وضغوطها أو الشخص الذي، رغم الامتثال بالقدر الضروري لضغوط الجماعة، يحتفظ في هدوء بتفكيره ونموه الفردي”.
__________________
*إحالات:
[1] الترجمة العربية عام 1440هـ=2019م، ت: سهير صبري، المركز القومي للترجمة، القاهرة – مصر.
[2] المصدر السابق، (ص12-13، 33، 50، 59، 61، 96، 98، 101، 99).

اقرأ المزيد
مقالات

نقد الغلو في مفهوم التخطيط

     فكرة التخطيط في حد ذاتها ليست مرفوضة بل هي علاج للفوضوية الشخصية والمؤسسية، وكثيرًا ما تكون مطلبًا في تحديد الاتجاه، ورسم المسار والوجهة والقبلة وفقه الإستراتيجية= فبدون البوصلة تفقد السفن المسار ويضطرب المسير، ويطول الطريق.  
     أصبح الحديث عن مفهوم التخطيط على المستوى الشخصي حديثًا متكررًا في مطلعِ كل عام هجري أو ميلادي، فما إن ينتهي العام إلا وتنهال عليك الوصفات التخطيطية لعامك الجديد عبر وسائل الإعلام الجديدة.
     إن الإنسان مفطورٌ على مقاومة المجهول، لذا تجده دومًا مستوفِزًا بالتفتيش والبحث عن كل أداة أو فكرة تجعل منه كائنًا مسيطرًا على تفاصيل الحاضر، وراغبًا في السيطرة على مآلات المستقبل وغموضه= من هنا تجد وَصَفَات التخطيط مدخلًا لها بالقبول عند كثيرين بل والتلهف عند آخرين.
     لكن فــقه الاتــزان يقتضي أن نتعامل مع فكرة التخطيط على المستوى الشخصي وعلى المستوى المؤسسي بشيء من الرشد والحكمة= فالإنسان كائن متغير الرغبات، متقلب الأمزجة، وكذلك المؤسسات، والإنسان هو فوق كل ذلك روحٌ وإرادة، وليس آلة صماء، أو روبوت مادي، يتم تحديد كل حركاته وسكناته بخوارزميات رياضية مخطط لها مسبقًا.
     جاء في الخبر المروي عن النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- «‌إذا ‌تـمنَّى ‌أحدُكم فلينظُر ما يتمناه، فإنه لا يدري ما يُكتَب له من أُمْنِيَتِه([1])».
   يقول بعض شُرَّاح الخبر([2]) “(‌إذا ‌تمنى ‌أحدكم) أي اشتهى حصول أمر مرغوب فيه، والتمني إرادة تتعلق بالمستقبل= فإن كان في خير فمحبوب وإلا فمذموم وقيل حديث النفس بما يكون وما لا يكون، (فلينظر) أي يتأمل ويتدبر في (ما يتمنى) أي فيما يريد أن يتمناه، فإن كان خيرا تمناه وإلا كف عنه (فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته) أي ما يقدر له منها وتكون أمنيته لسبب حصول ما تمناه”.
     إذن فــكرة الـ تمنِّي فكرة مرنة مُتسقة مع طبيعة الكائن الإنساني ورغائبه، لذلك يحسن بالإنسان المعاصر استحضارها أثناء التخطيط ورسم الإستراتيجية والتفكير في الإنتاجية الشخصية والمؤسسية.
     المجتمعات التي أنتجت فكرة التخطيط الحديثة = هي ذاتها اليوم تقوم بعملية مراجعة ونقد لمفهوم التخطيط الصلب أو صنم التخطيط!
     يصف كتاب (([3])REWORK) التخطيط بـ أنه “مجرد تــَخمِيـَـنات” تعوق روح الارتجال والإبداع، فمن المستحيل أن تعرف المستقبل، ولهذا فإن التخطيط طويل المدى للمشروعات مجرد خرافة، ووضع خطة قد يشعرك بأنك تستطيع السيطرة على أشياء لا يمكنك في الواقع السيطرة عليها”.
     إن القاعدة البديلة لصنم التخطيط هي أن تقوم بتحديد قائمة الأولويات، وأن تقرر بحسم ما تريد القيام به في هذه الآونة، وأن تُحدِّد الشيء المهم التالي وتفعله، بدلًا من السَّفَر في تفاصيل خطط المستقبل، التي يعرف الجميع أنها كثيرًا ما تبقى في الورق ولا تخرج إلى العالَم المنظور.
     “ربما يبدو العمل دون خطة مُـخيفًا، غير أن الاتباع الأعمى لخطة ليست لها علاقة بالواقع أمر أكثر خوفًا([4])”.
——————-
* الإحالات:
([1]) رواه أحمد، وأبو يعلى، والبيهقي فى شعب الإيمان، “وإسناد أحمد رجاله رجال الصحيح”. الهيثمي، «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» (10/ 151).
([2]) المناوي في «فيض القدير شرح الجامع الصغير» (1/ 319) باختصار.
([3]) «إعادة تصميم العمل»، جاستون فرايد وديفيد هاستون، ط،1، مكتبة جرير، السعودية، 2017م. (ص19) بتصرف.
([4]) المصدر السابق، (ص20).

اقرأ المزيد
مقالات

القراءة الرأسمالية للفلسفة

-1-

من المعهود في التصور العُمومي عن البحوث الفلسفية أنها ذاتَ طبيعةٍ تجريديَّة، عَصِيَّة على الفهم غالبًا. وهذا التصور ذو وجاهَة ومصداقية؛ فتاريخ الفلسفة عبر إنتاجات أعلامها ومؤسسي اتجاهاتها شاهدٌ على صحة هذا الانطباع حول وُعورة البحث الفلسفي.

اقرأ المزيد
تأملات مقالات

هل العزلة ممكنة؟

 

-1-

     حَفَل التراث العربي والإسلامي بالعديد من النصوص التي جمعت أقوالاً كثيفة الدَّلالة في مديح العُزلة، أذكر منها: ((العزلة والانفراد)) لابن أبي الدنيا (تـ/281هـ)، و((العزلة)) للخطابي (تـ/388هـ)، وفي كتاب الغزالي(تـ/505هـ) ((إحياء علوم الدين)) باب في آداب العزلة، ومثله في ((صيد الخاطر)) لابن الجوزي (ت/597هـ)، وكذا ((الأمر بالعزلة في آخر الزمان)) لمحمد بن إبراهيم الوزير (تـ/840هـ).

اقرأ المزيد
مقالات

الانحِطاط اللغوي

                                                      -1-
   ثـَمَّةَ وِفاقٌ معرفيٌ بين أعلامِ الفِكر والإصلاحِ في العالم العربي والإسلاميلا سيما لدى جَمْهَرة الـمُشتغلين بالدراسات الحضارية والأدبية العربية الحديثة، بأن اللغة العربية الفصحى هي مكونٌ رئِيس في هُوية المجتمعات العربية والمسلمة، وأن أيَّ مُزاحمةٍ للعربية هي مزاحَمةٌ لروحِ الثقافةِ في هذه الشعوب. ويرتقي ذلك الوِفاق المعرفي على أهمية اللغة العربية إلى درجةِ الإجماعِ العلمي الـمُعتبر في مناهجِ البحثِ والنظر.

اقرأ المزيد
مقالات

نواة المجتمع: ليست الأسرة وليس الفرد

-1-

      بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر مطلع القرن التاسع عشر الميلادي والثالث عشر الهجري (1216-03-02هـ = 1801-07-13م) انكشفت فجوة حضارية في شؤون الاجتماع والعمران البشري لدى مجتمعات الشرق العربي والإسلامي، جاءت على إِثْرها إصلاحاتُ محمد علي(تـ/1849م=1265هـ) في مصر، وتزامنت مع إصلاحاته بدايات تكوين النُّخبة العالِمة الحديثة وقتئِذ= وعلى إثرِ ذلك الانكشاف الحضاري نشأت ردود أفعال متنوعةً بتعدد قضايا مجتمعات الشرق، وبتنوع توجهات أعلام النخبة والإصلاح والتجديد والنهضة، ما بين إحيائية إسلامية، وليبرالية، وعلمانية.
     ومن ذلك الجدل في شؤون الإصلاح الاجتماعي=الجدل حول قضايا الأسرة الشرقية المسلمة، وفي شأن وضع المرأة خصوصًا، وهو سجال تراكم لدى بعض المثقفين، حتى انفجر في نهاية القرن التاسع عشر مع إصدار قاسم أمين (تـ/1908م=1325هـ) لكتابيه المثيرَيـْن((تحرير المرأة)) عام 1899م=1316هـ، ثـم ((المرأة الجديدة)) عام 1900م=1317هـ. رغم أن الالتفات لشأن المرأة المسلمة في العالم الحديث بدأت بواكير الوعي به قبل قاسم أمين=عند رفاعة رافع الطهطاوي(تـ/1873م=1290هـ) في رحلته الشهيرة إلى باريس.
     وقاسم أمين شخصية وقع حولها استقطابُ حادٌ= بين من جعَله من رُواد التَّنوير الليبرالي، وبين من ألحقه بأفواجِ الـتَّغريب، وما كتبه قاسم يـُنبئُ عن غيرِ ما أرادَ له أنصارُه، أو وصَمهُ به خُصومُه= فالذي لا شك في ثبوته أن كتاباتهِ حول المرأة تم توظيفُها من قِبَلِ أنصارِه لصالحِ طموحاتهم التَّحَرُرِيَّة، ثم إن خصومه في الـمُجمَل لم يُكوِّنُوا صورةً عنه من خلالِ أعماله، بل من خلالِ توظيفِ أنصارهِ لمقولاته.
     كما أن أحد عوامل الاستقطاب حول أطروحة قاسم أمين سببها أن مقارباته لمسألة المرأة جاءت قابلة للتأويل والتوظيف: “فقد قدم صورةً ورديَّةً لحياةِ المرأةِ الـغربيةِوخاصة في كتابه (المرأة الجديدة) وحينئذ يجب أن يُنظر إلى تلك الصورة في إطار عصره، وطبيعة ثقافته، كواحدٍ من النخبة التي انطبع عقلها بطابع الفكر الغربي إلى حد كبيركما يجب أن يـُنظر إلى هذه القضية في ضوء موقف الرجل حيال وضع المرأة العربية والمسلمة المزرى والمهين[1][حينذاك]”.

اقرأ المزيد
قراءات مقالات

في صُحبة المُعجم المُنجِد


(1)

     في رحلة التكوين العلمي لدارس العلوم العربية والأدبية والإنسانية والدينية؛ ثمة بدائِه ونصوص وكتب يظل المرء يسمع بها، أو ينقل عنها عبر وسيط آخر، أو يمر بها عَجِلاً دون أن يفكر في العكوف عليها، والظهور عليها ولو عبَرَت به سنينَ عدداً، وإمعان النظر في مطاويها، ومقاصد كُتَّابِها، بل وما تحتويه من مباحث وفصول، ومُلَح.

     ومن تلك الكتب التي ظللتُ أسمع بها، وربما رجعتُ إليها سريعاً، مَعْلَمةُ الأديب واللغوي لُوِيس مَعْلُوف (1365 هـ = 1946م) الموسومة بـ((الـمُنْجِد في اللغة والأعلام))، التي كتبها أثناء رئاسة تحريره لجريدة «البشير» (من سنة 1906م إلى سنة 1933م).
     والذي حدا بي للبحث عن المعجم الـمُنجِد، واقتناؤه بِأَخَرَة -ولم يبرح طاولة مكتبي مُنذئِذ= إشارة تذكيرية من الأستاذ الناقد حسين بافقيه -متع الله به-، في ذيل مقالته ((ذكرياتٌ مُعجمية)) التي نشرها في شهر رمضان لعام 1444هـ في إذاعته الكتابية ((خاطريات)). -عبر برنامج التيليجرام  Telegram-.
     وإشارةُ الأستاذ بافقيه جاءت في مَعرضِ حديثٍ له عن دور ((المعجم الوسيط)) في تكوينه اللغوي والأدبي، ضمن تدوينه لانطباعاتٍ ذاتية، مبعثُها خواطر وذكرى معرفية عاشها ردحاً من الزمن مع المعجم الوسيط وغيره من أُمهات المعاجم في التراث العربي قديمه وحديثه.
     لقد اعترتني حشرجةُ صَدْرٍ حينما ظفرتُ بمنجد اللغة والأعلام، فرَحاً به، وأسفاً على نفسي= لأن هذا السِّفر الجليل لم يكن مصاحباً لي في بداية التكوين المعرفي؛ رغم عشقي لقواميسِ الكَلِم العربي، المعجمية والدلالية والمصطلحية عامةً كـ مقاييس ابن فارس، ومفردات الراغب، ومنال ابن الأثير، وكليات الكفوي، وتعريفات الجرجاني، وحتى الإنجليزية كـ ومورد البعلبكي، وأوكسفورد، ولونجمان؛ فضلاً عن تلك السلسلة من المعاجم التخصصية التي أصدرتها مكتبة لبنان كـ كشاف التهانوي.

اقرأ المزيد
مقالات

محدودية الإنسان والحاجة إلى مركزية الله

        ثمة فكرة أو قيمة جوهرية في الدين يحاول غرسها عبر خطابه الإيماني لدى المؤمن؛ لهذه القيمة حضور كثيف عبر كافة التشريعات والممارسات التعبدية، الفكرة هي: أن يظل المؤمن مستحضراً لحدوده البشرية، وقدراته الضئيلة أمام سعة الكون، بل أمام حدود وجوده الزمني القصير في عمر الحياة الكبرى.
      وهذه القيمة مبعثها مركزية الله في رؤية العالم بالنسبة للمؤمن، خلافاً لمركزية الإنسان في الرؤية اللآدينية= تلك المركزية التي تجعل من الإنسان المبدأ والمنتهى في الوجود، حيث إن الإنسان في الرؤية التي تتكئ على مرجعية الإنسان المطلقة دون سواه، رؤية مُخلِدة إلى الأرض، غير ملتفتة إلى سماء المعنى.
      المؤمن ينطلق من منظور مركزية الإله=لاستحضاره حقيقة تجريبية لا تقبل الدحض والتزييف: إن وجود هذا الكائن الإنساني في الكون، ووجوده العام، وجود محدود زمانًا ومكانًا.
     هذا الاستحضار/الحضور يسميه بعض علماء التربية والسلوك في التراث الإسلامي بـ( الافتقار إلى الله). فالمتأمل في جميع العبادات القلبية والعملية في الإسلام يرى أن الافتقار إلى الله = هو الصفة والقاسم المشترك الجامع للعبادات الظاهرة والباطنة.
     إذ أن شعور المحدودية البشرية يؤدي إلى الشعور بالحاجة=والفقر والافتقار إلى الوجود الغني المطلق واللآمحدود، الأمر الذي يؤدي إلى سلام داخلي، وطمأنينة، وسكينة، ويقين أمام الخوف من المجهول.
     إن أخص خصائص العبودية للإله الحق المعبود = هي استحضار شعور الافتقار المطلق لله = فهوحقيقة العبودية ولُبُّهَا[1]” –كما يقول ابن القيم-.
    وشعور الافتقار إلى الله ليس دروشة صوفية، بل رؤية نفسية مستبصرة= حقيقتهاأن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء، بحيث تكون كُلُّك لله، وإذا كنتَ لنفسك فثمَّ مُلْك واستغناء منافٍ للفقر[2]“.
     وحقيقة الافتقار الإيماني: دوام استحضار الحاجة إلى الله في كل حال، وأن يستحضر المؤمن ويشهد في كل ذرة من ذراته، الظاهرة والباطنة، فاقته وافتقاره واحتياجه التام إلى الله من كل وجه[3].
    وطريق استشعار الافتقار إلى الله يتقدمه أمرآن:
     –الأول: إدراك عظمة الخالق وجبروته في كونه الفسيح.
    فإنأصل الخشوع الحاصل في القلب إنما هو من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وجلاله وكماله[4]“.
     –الثاني: إدراك ضعف الكائن البشري.
    فقد جاء في القرآن الكريم ((‌فَلْيَنْظُرِالْإِنْسَانُمِمَّخُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) الآية.
    إلا أن هذا الافتقار له علامات تدل عليه، تدفع الناظر إليها، والعامل بها= إلى تحقيق لب العبودية بـدوام الافتقار إليه.
 – العلامة الأولى: غاية الذل لله مع غاية الحب= هو الشعور الحقيقي بالحرية الإنسانية.
     يقول ابن القيمأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً لله وانقيادا، وطاعة[5]“. أما الحب فـفَكُلَّمَا ازْدَادَ الْقَلْبُ حُبًّا لِلَّهِ،ازْدَادَلَهُعُبُودِيَّةً، وَكُلَّمَاازْدَادَلَهُعُبُودِيَّةً، ازْدَادَ لَهُ حُبًّا وَحُرِّيَّةً عَمَّا سِوَاهُ وَالْقَلْبُ فَقِيرٌ بِالذَّاتِ[6]كما يقول ابن تيمية. وهذا وذلك الذل، وتلك المحبة من ثمراتها: السكينة الروحية، والطمأنينة القلبية، والتواضع السلوكي.
العلامة الثانية: التعلق بالله وبمحبوباته.
    – فإن صحارى الدنيا تقطع بالأقدام، وصحارى الآخرة تُقطع بالقلوب[7].
 – العلامة الثالثة: مداومة ذكر المحبوب سبحانه.
    – “إن في القلب  خَلَّة ]=فجوة[ وفاقة، لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله[8]“. –كما يقول ابن القيم-.
 –  العلامة الرابعة: الوجل والخوف من عدم قبول العمل.
    ويتحقق الوجل والخوف من عدم القبول بأربعة أمور:
    1- أن الله غني عن طاعات العباد.
    2- أن قبول الأعمال إنما هو من فضل الله ورحمته،  ولهذا كان النبيصلى الله عليه وآله وسلميقول: «وَاللهلَاأدْرِيوَأنارَسُولُ الله مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ وَبِكُمْ[9]» الحديث.
    وقدكان الصحابة ومن بعدهم يخافون على أنفسهم النفاق! فالمؤمن يخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة سوء عمله؛ فإن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة[10]“.- كما يقول ابن رجب-.
   3- أن المِنَّة والفضل إنما هي لله جميعًا.
   4- أن العبد لا يأمن على نفسه الغرور والافتتان.
   – قال مطرف بن عبد الله الشخيرلأن أبيت نائما وأصبح نادماً؛ أحب إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً[11]“.
   – العلامة الخامسة: خشية الله في السر والعلن.
   – قال سعيد بن جبيرإن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية[12]“.
   – العلامة السادسة: تعظيم التشريع الإلهي: الأمر والنهي.
     فإناستقامة القلب تكون بشيئين:
 أحدهما: أن تكون محبة الله تتقدم جميع المحاب. ثانيهما: تعظيم الأمر والنهي؛ وهو ناشئ عن تعظيم الآمر والناهي[13]“-كما يقول ابن القيم-.
   – العلامة السابعة: سرعة الإنابة والاستحضار لحقيقة الضعف البشري وإمكانية الخطأ.
   – فقد جاء في حديث الصباح(=سيد الاستغفار): الاعتراف بالضعف والافتقار البشري «…وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ،أَبُوءُ (=أعترف) ‌لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ[14]».

 

———

* الإحالات

[1] مدارج السالكين، (2/ 439). ومعظم الإحالات عن كتاب: (الافتقار إلى الله لب العبودية) لـ أحمد الصويان، كتاب البيان، مجلة البيان، الطبعة الأولى، 1425هـ.
[2] المدارج، (2/411).
[3]  المصدر السابق، (2/ 440).
[4]  كما يقول ابن رجب، وبنحوه قال ابن القيم. الخشوع في الصلاة، ( ص: 20 )، ( الروح ص: 232).
[5]  مفتاح دار السعادة، (1/ 500).
[6] مجموع الفتاوى، (10/193).
[7]  كما يقول يحيى بن معاذ -أحد علماء السلوك الروحي-.  ابن الجوزي، صفة الصفوة، (2/294).
[8] الوابل الصيب ( ص: 139).
[9] أخرجه البخاري من حديث أم العلاء امرأة من الأنصار بايعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصحيح 3/ 114، كتاب الجنائز (23)، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه (3)، الحديث (1243)، وفي 12/ 410، كتاب التعبير (91)، باب العين الجارية في المنام (27)، الحديث (7018).
[10] جامع العلوم والحكم، لابن رجب (6/ 32).
[11]  الزهد، لعبد الله بن المبارك، ( ص: 151).
[12]  حلية الأولياء، ( 4/ 276)، وسير أعلام النبلاء ( 4/ 326).
[13] الوابل الصيب، (ص: 24- 39).
[14]  «صحيح البخاري» (5/ 2324 ت: البغا).
  • (قناة مدونة أحمد الحمدي عبر التلجرام)
اقرأ المزيد
تأملات مقالات

الابتلاء قدَر الحياة


في الحياة حقَائق تُبرهن عليها مسيرة التاريخ البشري الكبير، ووقائع التجارب البشرية اليومية، ومن تلك الحقائق =حقيقة أن ((الألـم)) عنصر رئيس في سِنْخ الوجود البشري العام. ولعل تَطوَافة عَجْلَى على تاريخ الإنسان الشخصي كفيل بأن يؤكد حقيقة أن الألم قَدَرُ الـحَياة.
     ويسير الإنسان في الحياة بتوجه ساذَج غالباً =يتصور أن الأصل في الحياة السعادة والابتهاج واللذائذ، فإذا بتجارب الأيام وأحداثها تزحزح تصوره البريء. والأمر يعود في بعض جذوره إلى التنشئة التربوية التي يحاول فيها الأبوان تقديم صورة زاهية ومثالية عن الحياة الخالية من الألم= صورة زائفة عن حقيقة الحياة.
    وعند القبول بواقع الألم في الحياة=يكون دور الإنسان الوعي بمراتب الآلام، أو ما يسميه فقهاء الأصول والمقاصد بـ ((فقه الموازنات))= والإداريون يسمونه بـ ((فن إدارة الأزمات))  وفي علم السلامة البيئية بـ(( إدارة الكوارث)). وقبولالدخولفيمعاركتقليلالخسائر.
    وفي وجود الإنسانمن منظور القرآن الكريمإشاراتٌ دالة على أن الألم مزامن للحياة، وأن ((الابتلاء)) هو قدر الإنسان عبر التاريخ البشري، والابتلاء مضاعَف لأصحاب الرسالة، وسُفراء القيم الخالدة من حق وخير وجمال.
    ويرسم القرآن لوحة البشرية في شلال الزمن التاريخي بوصفها رحلة من المكابدات= يـُمتحن فيها الإنسان في أخلاقه ومسيرة سلوكه، فهذا الكائن الذي وصفه خالقه بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4] وجوده محاطٌ بالشدائد والبلايا، وقَدَرُه هو الكَبَد الوجودي.
    ويحلل الإمام المراغي (تـ1371هـ)-رحمه اللهمسيرة الابتلاء والكبد الإنساني بأن الله تعالى“…جعل حياة الإنسان سلسلة متصلة الجهاد، مبتدئة بالمشقة، منتهية بها؛ فهو لا يزال يقاسي من ضروبها ما يقاسي منذ نشأته في بطن أمه إلى أن يصير رجلا، وكلما كبر ازدادت أتعابه وآلامه، فهو يحتاج إلى تحصيل أرزاقه وتربية أولاده، وإلى مقارعة الخطوب والنوازل، ومصابرة النفس على الطاعة والخضوع للواحد المعبود. ثم بعد هذا كله يمرض ويموت، ويلاقي في قبره وفي آخرته من المشاق والمتاعب، ما لا يقدر عليه إلا بتيسير الله سبحانه.
    والسر في التنبيه إلى أن الإنسان قد خُلِق في عناء= الرغبة في تسلية رسولهصلى الله عليه وآله وسلم، وحضه على عمل الخير والمثابرة عليه، وألا يعبأ بما يلاقيه من الشدائد والمشاق، وأن ذلك لا يخلو منه إنسان“.«تفسير المراغي» (30/ 157).
    هكذا هي الحياة شئنا أم أبينا، يكابد فيها الإنسان في دروب الحياة، وغايته أن ينال شرف الاستمساك بالقيمة النبيلة، والعمل الشريف الذي لا ظُلمَ فيه لنفسه وغيره.
    قرأتُ ذاتَ مرة كلمة هي في منزلة الحكمة العملية لأديبة فرنسية تقول فيها: “حافظ على الطِّيبةذلك الكنز العظيم في داخلكوتعلم أن تعطي دون تردد، وتخسر دون ندم، وتحصل على ما تريد دون خبث“.

———–

  • (قناة مدونة أحمد الحمدي على التلجرام)

 

اقرأ المزيد
تأملات مقالات

الشوق للماوراء في الكائن البشري

اقرأ المزيد
1 2 3 4