قراءات مقالات

سجون نختار أن نحيا فيها

“يجب أن تكونَ يـقظًا في مواجهةِ ردودَ فِعلك وغرائِزك”. (دوريس ليسينغ).

    أكبر القيود التي يمكن للإنسان أن يَرسُفَ في أغلالِها الإنسان = هي تلك القيود الذهنية التي يتلقاها أو يصطنعها لنفسه، ويعيش في حدودها ثم يوهم نفسه أنها منطق الصواب، وإقليم الراحة والأمان. 
    كم هي موجعة مواجهة الحقائق في الحياة الفردية والاجتماعية حينما نسمح لكل حَدَثٍ أن يتجلَّى كما هو، لا كما نريد له أن يكون.
    إن حياة وأدب (دوريس ليسينغ Doris Lessing) (1919- 2013م) الكاتبة والروائية البريطانية، الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 2007م = مليئة بمواجهة أغلال القيود الذهنية والثقافية التي تلقاها الإنسان الغربي الحديث، عن الكثير من الشعوب الأخرى، قيود اصطنعها وعاش مؤمنًا بها، وبأن كل ما يفعله هو منطق الصواب.
    مارست دوريس ليسينغ نقد الاستعمار، إلى نقد العنصرية، إلى نقد الممارسات البيئية، إلى النقد الاجتماعي، والانحياز تارة إلى الاشتراكية الشيوعية ثم نقدها، وتارة إلى النسوية ونقدها، ونقد الطائفية وجذورها = وذلك في كل أعمالها الأدبية والروائية منها خصوصًا.
    في كتابها الصادر عام 1986م، بعنوان: (سجون نختار أن نحيا فيها[1]طرحت خلاله مجموعة من خمس مقالات/محاضرات ألقتها في تواريخ ومناسبات متفرقة، وقدمت خلالها بصورة مباشرة وصريحة ما تعتقد أنه منطق الصواب الأخلاقي الذي يجب أن نستوعبه من درس الأدب والتاريخ.
    تطرح دوريس ليسنغ أسئلة أخلاقية مركزية على الإنسان الحديث[2]: “نحن في زمن من المخيف فيه أن نكون أحياء، حيث يصعب أن نفكر في بني البشر كمخلوقات عاقلة. فأينما نولي نظرنا نرى الوحشية والغباء، حتى ليبدو أنه لا يوجد عداهما شيء نراه = انحدار نحو الهمجية في كل مكان، ونحن عاجزون عن كبحه. ولكني أعتقد أنه رغم حقيقة وجود تدهور عام، وتحديدًا لأن الأمور مخيفة لهذه الدرجة، فقد أصبحنا منوَّمِين مغناطيسيًا، فلا نلاحظ القوى المماثلة في الظهور والموجودة على الجانب الآخر، وهي باختصار قوى العقل والرشد والتحضر، وإذا لاحظناها فإننا نستهين بها”.
    إن الحل الذي يحتاجه إنسان الأزمنة الحديثة -حسب ليسينغ- هو تنمية القدرة على مراقبة أنفسنا من وجهات نظر أخرى، أي أن يحكم الرشد العقلي حياتنا الإنسانية، وأن نرى بالعين الأخرى:كيف يا ترى سنبدو للقادمين من بعدنا؟ سيتعجب القادمون من بعدنا أشد العجب، كما نتعجب نحن من أسلافنا في كثير من الأمور.
    إن ما نعرفه الآن عن أنفسنا أكثر تطورًا وعمقًا عما كان معروفًا فيما مضى، لكن المسألة ليست في كَمِّ المعرفة ونوعها =بل في وضع المعرفة الصائبة في موضع التنفيذ الصائب. ودور الكتاب والأدباء والمثقفين هو دور أشبه ما يكون بجهاز الفحص الذاتي للأوضاع البشرية وتحسينها ودلالتها على الخير والصواب.
    لكل منا جزء من الأوهام المريحة، تارة تكون أوهامًا كبيرة، وتارة تكون أوهامًا صغيرة، أوهام يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. وهذه الأوهام يتعذر فحصها ودراستها، ما لم ننفتح على أنفسنا بعين أخرى.
    تتساءل ليسنغ “هل يمكن أن يحتج أي شخص الآن؟ لقد أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا، إن مشاهدتنا ليلة بعد ليلة، ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام للأهوال الجارية في أنحاء العالم أفقدتنا حساسيتنا تمامًا مثل أولئك الجنود الذين حُوِّلوا عمدًا إلى قساة.
    يبدو لي أكثر فأكثر، أننا نخضع إلى موجات من العواطف الجماعية، ولا يكون ممكنًا طوال فترة بقائها إثارة أسئلة هادئة جادة. وليس على المرء أثناءها سوى إغلاق فمه والانتظار، فكل شيء يمر… ولكن هذه الأسئلة الهادئة الجادة وإجاباتها الهادئة الجادة المتجردة عساها في الوقت ذاته أن تُنجينا.
    وأنا أنظر إلى حياتي التي استمرت الآن ستة وستين عامًا، فما أراه هو تعاقب أحداث جماعية كبرى، فورانات للمشاعر، انفعالات متحيزة وجامحة، تمر وتمضي، ولكن أثناء بقائها، لا يكون في وسعك سوى التفكير في أن”هذه الشعارات، أو الاتهامات، أو الادعاءات، أو نفخ الأبواق، ستبدو قريبًا للجميع شيئًا سخيفًا بل ومُخجِلا”. ولكن من غير الممكن قول ذلك أثناءها”.
    في سبيل رشد إنساني ذاتي ومجتمعي تدعو ليسنغ إلى تعليم الأطفال الأدب والتاريخ= كقصة لا يتعلم المرء منها ماذا حدث فحسب، بل أيضًا ما قد يحدث، ومن الأرجح أن يحدث مرة أخرى، أن يتعلم الطفل ما يظهر في الحياة عبر سياقات مختلفة.
    الأدب والتاريخ، هذان الفرعان العظيمان من الثقافة الإنسانية (=الأنثروبولوجيا)، والذاكرة الإنسانية (=التاريخ)، اللذان يسجلان السلوك الإنساني، والفكر الإنساني= يمكن أن نتعلم منهما كيف ننظر إلى أنفسنا، وإلى المجتمع الذي نحيا فيه بطريقة رزينة هادئة ناقدة.
    إن الرهان القادم في الوضع البشري العام هو في جذره الأولي رهانٌ عل الفرد -كما تراه ليسينغ-: فـ”حينما ننظر إلى الوراء، نرى الأثر العظيم الذي يمكن أن يُحدثه الفرد، حتى الشخص غير المعروف الذي يحيا حياة بسيطة هادئة.
    فالأفراد هم من يغيرون المجتمعات، ويولدون الأفكار، هم من يقاومون تيارات الآراء ويغيرونها. ويصدق هذا على المجتمعات المنفتحة مثلما يصدق على تلك القمعية، وإن كان معدل الخسارة بالطبع أعلى في المجتمعات المغلقة.
    تقول ليسينغ:” إن كل ما مر بي علمني أن أعلي من قيمة الفرد، الشخص الذي يُنمّي طرقه، أو طرقها، الخاصة في التفكير ويحافظ عليها، الشخص الذي يصمد أمام تفكير الجماعة، وضغوطها أو الشخص الذي، رغم الامتثال بالقدر الضروري لضغوط الجماعة، يحتفظ في هدوء بتفكيره ونموه الفردي”.
__________________
*إحالات:
[1] الترجمة العربية عام 1440هـ=2019م، ت: سهير صبري، المركز القومي للترجمة، القاهرة – مصر.
[2] المصدر السابق، (ص12-13، 33، 50، 59، 61، 96، 98، 101، 99).

اكتشاف المزيد من /مدونة/ أحمد الحمدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading