أصوليات استشراقيات

الاستشراق والفقه الحنبلي

الاستشراق والفقه الحنبلي: من خلال كتاب (الإسلام الحنبلي) لـ جورج مقدسي (1920-2002م)


    مرت الدراسات الفقهية والأصولية الغربية الاستشراقية بمراحل عديدة من حيث اهتمامها بالمدارس الفقهية والإشارة إليها.  ومن جملة الاهتمامات الاستشراقية المعاصرة بالمدارس الفقهية=الاهتمام بالمذهب الحنبلي، وما يمكن تسميته[1] بـمرحلة بداية الاهتمام بالمذهب الحنبلي في الدراسات الاستشراقية المعاصرة، تلك المرحلة التي انطلقت مع أعمال المستشرق الأمريكي(ولتر باتون، ت:1928 م) في كتابه المعنون بـأحمد بن حنبل والمحنةالمنشور سنة 1898موقد كان في الأصل أطروحة جامعية للدكتوراه-.

    ثم تلت تلك المحاولات أعمال جولتسيهر(1921م) ثم ماكدونالد (1943م) ثم هنري لاووست (1983م) لنصل إلى تلميذه جورج مقدسي (2002م) –موضوع هذا المبحث-.  

    نشر جورج مقدسي[2] (1920-2002م) النسخة العربية من كتاب (الواضح في أصول الفقه، لابن عقيل الحنبلي)، في ثلاثة مجلدات،  في شتوتجارت بألمانيا .ونشر نسخة عربية من الجزء الموجود من كتاب ابن عقيل الضخم، كتاب (الفنون)، في مجلدين، (بيروت 1970-1971م).كما نشر مقدسي مخطوطة تأريخية مهمة عنون لها بــيوميات فقيه حنبلي من القرن الخامس الهجريلــ ابن البناء الحنبلي (ت471هـ)[3]. ولا يخفى على دارسي تاريخ التعليم في الحضارة الإسلامية كتابه الأصيلنشأة الكليات“.

- الفقه الحنبلي:

     جورج مقدسي على اطلاع واسع بالمذهب الحنبلي بين المستشرقين عامة. وكتابه:”الإسلام الحنبلي[4] يصفه المطرودي بأنه:”عمل أكاديمي جاد عن المذهب الحنبلي في الدراسات الاستشراقية[5]“. ذلك أن مقدسي متضلع من تاريخ المذهب، وعلى دراية بكيفية تشكله تاريخيا، وعبر مدارسه واتجاهاته الداخلية وانتشاره جغرافيا.

    طرح مقدسي في هذا الكتاب العلاقة بين الاستشراق الغربي والتاريخ الديني الإسلامي. ويرجع أسباب القراءات الاستشراقية الخاطئة للتراث الإسلامي إلى عدة عوامل منها قلة المحقق من التراث الإسلامي عامة والمتاح بين يدي المستشرقين خاصة. ويرى المقدسي أن النظرة الاستشراقية للمذهب الحنبلي خلال القرن التاسع عشر الميلادي قد أثرت على واقع النظرة الحاضرة له بين المستشرقين، وذلك عندما يقرر أن أهم ما يحتاجه الدارس في الوقت الحاضر فيما يخص الحركة الحنبلية أن يتخلص من نظرات القرن التاسع عشر،والتي لا تزال تعوق النظرة الاستشراقية العامة للمصنفات الإسلامية[6]“.

    ويقرر مقدسي أننا الآن قادرين على تقدير المقام الذي احتله المذهب الحنبلي في التاريخ الديني في الإسلام، وأن نعرف كيف كانوا-أي الحنابلة- قادرين على التأثير على مجرى الأحداث[7].

    ويؤكد مقدسي أنه عند النظر إلى الحنابلة كمذهب فقهي فإن المذهب يحتل أهمية متواضعة، لكن إذا نظرنا إلى أهمتيه كقوة عقدية فإنه يجب إعطاؤه موقعا متميزا جدا في حركة أهل الحديث المهمة في تاريخ الفكر الإسلامي.

وينبه مقدسي إلى أنه من أجل تقدير هذا الموقف فإننا يجب أن نتجنب الإغراء بأن نخلط الحركات العقدية بالمدارس الفقهية. ويوضح ذلك بأنه بناء على الرأي الاستشراقي القديم فإن المدرسة الحنفية قد احتلت موقعا في أقصى اليسار بين المدارس الفقهية. بينما احتلت المدرسة الظاهرية أقصى اليمين، يلي الحنفية المالكية ويلي الظاهرية الحنابلة بينما يحتل الشافعية الوسط.

    وطبقا لهذا الرأي فإن المعتزلة يقعون في أقصى اليسار عقائديا بينما الحنابلة في أقصى اليمين مما يجعل الأشعرية في الوسط، لهذا ظهر من المنطقي أن يظن أن المدرسة الشافعية والأشعرية، واللتان يقعان في الوسط، صمم كل منهما للآخر، مما نتج عنه ربط الشافعية بالأشعرية[8].

    يؤكد مقدسي إلى أنه يجب دراسة تاريخ المدارس الفقهية والحركات المذهبية في الإسلام بشكل رئيس من خلال كتب التراجم، إلا أنه يلفت الانتباه إلى أن هذه الأعمال، إلا ما ندر، مبنية على المدارس الفقهية لا الحركات العقدية. مما يعني أن كتب تراجم الحنابلة تعتني بإيراد أهل الحديث من هذه المدرسة فقط، ولا تتطرق للعلماء من أهل الحديث من المدارس الأخرى كالشافعية مثلا. ويقرر أنه إذا كان المستشرقون قد ربطوا خطأ بين الشافعية والأشعرية فإن هذا راجع إلى أن أهم مرجعين في تراجم الشافعية هما من تصنيف اثنين من الشافعية الأشاعرة(السبكيوابن قاضي شهبة) ومن ثم فلا بد منأخذ الحيطة الفائقة عند قراءتهماحتى يمكن فهم الصراع العقائدي الذي وقع داخل مدرسة أهل الحديث.

    يرد مقدسي على جولدتسيهر استخدامه مصطلحالأرثوذكسيةفي فهم التراث الإسلامي عامة. ويرى أن هذا المصطلح الاستشراقي وليد البيئة المسيحية الغربية وصراعاتها، ولا يصلح لتفسير المذهبيات الإسلامية. ويدافع مقدسي عن ابن تيمية ضد جولدتسيهر في وصف هذا الأخير لابن تيمية بأنه:”متعصب ولا يقبل الرأي الآخر“.

    يرى مقدسي أن الحركة الحنبلية منذ بدايتها رأت نفسها كالحامي لتراث النبي ﷺ، ابتداء بالمجتمع ثم ضد أعدائها الخارجيين، وأنها ترى أنها قد أعطيت هذا الحق من قبل منشئها أحمد بن حنبل، وهو أحد أكثر الشخصيات الإسلامية المؤثرة والذي لا تزال ذكراه حية في الأمة الإسلامية باعتباره ضحية شهيرة لمحنة الخليفة المأمون[9].

    ويؤكد مقدسي أن المدرسة الحنبلية وجدت نفسها في طليعة حركة أهل الحديث، والتي ضمت بين صفوفها علماء من مختلف المدارس. ويقرر أنه في ضوء هذه الحقيقة يجب فهم عبارة ترد مرارا في كتب التراجم، وهي قولهم عن عالم من العلماءشافعي في الفقه وحنبلي في الأصول“. ولقد كان داعموا حركة أهل الحديث ينتسبون إلى مختلف المذاهب الفقهية السنية وكانوا يعرفون بـأهل السنةأوأهل السنة والجماعةوغيرها من الأسماء[10].

    يرى مقدسي أن الدارسيين الغربيين أغفلوا حقيقة أن أهل الحديث حرصوا ألا يدعى علم الإلهيات بــعلم الكلام، وذلك لأن الاسم المفضل عندهم لعلم الإلهيات هوأصول الدينقياسا على أصول الفقه. وهاتان التسميتان(أصول الدينأصول الفقه) تفيدان أن هذا العلم علم لاهوت أو فقه مبني على النصوص المقدسة : القرآن وسنة الرسول . ويلاحظ مقدسي أن أهل الحديث أضافوا علم الإلهيات هذا، والملهم بالقرآن والسنة، إلى الكلام والذي كان علم إلهيات ملهم بالرأي.

    ويضيف مقدسي إلى هذا أن الأشعرية كانت تبدو للمستشرقين كمرادف للشافعية وأن المدرسة الحنبلية، والتي كانت المدرسة الوحيدة التي لفتت الانتباه كمعادي للحركة الأشعرية، كان الاعتقاد السائد أنها صغيرة جدا، وبالتالي محدودة الأهمية بشكل كبير بحيث أنها لا يمكن أن تمثل الإسلام الأرثوذوكسي، إلا أن مقدسي يؤكد أنه لم يتم التنبه إلى أن المدرسة الحنبلية كانت في واقع الأمر في طليعة حركة أهل الحديث، وأن المستشرقين لم يرو سوى جزء من جبل الجليد، وأخفقوا في إدراك أن الجزء الخفي من هذا الجبل يمثل الأكثرية الغالبة من الأمة.

    ثم يوضح مقدسي نقطة مهمة وهي تحديد الوقت الذي ظهرت فيه الأشعرية على مخالفيها، أي: عندما صار علم الكلام الأشعري هو الإسلامالأرثوذوكسي“-بتعبير جولتسيهرفذكر أن فون كريمر جعل ذلك عند بداية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، عندما كان مؤسس الأشعرية نفسه على قيد الحياة، بينما جعله جولدتسيهر أولا في القرن السادس/الثاني عشر، لكنه بعد ذلك أرجعه إلى الوراء إلى القرن الخامس/الثاني عشر، عند فترة المدرسة النظامية، ووقت الوزير نظام الملك والغزالي. وأخذ مقدسي يرد على جولتسيهر في هذه النقطة.

    يرى مقدسي أنه قد حان الوقت لإعادة النظر في ما يعتبره المستشرقونالإسلام الأرثوذوكسي؛ وذلك:”لأن الأرثوذوكس الوحيد والمقرر في الإسلام بإجماع الأمة هو الأرثوذوكس السني والممثل منذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي بالمدارس السنسة الفقهية الأربع: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، ولا يوجد أي مذهب أرثوذوكسي آخر معترف به من قبل جماهير المسلمين[11]“. ولا يرى مقدسي أن في هذا ما هو مستغرب، وذلك لأن في باب الدين لا يمكن وصف شيء بكونه شرعيا إلا من خلال المدارس الفقهية؛ وذلك لأن الإسلام مبني على فلسفة تشريعية.

    ويقرر مقدسي حصاد رؤيته الفاحصة للتاريخ الحنبلي بقوله:”إنه من الواضح من الدراسات السابقة أن الحركة الحنبلية تقدم نفسها بشكل مختلف كليا عما نجده في مصنفاتنا العامة عن الإسلام[12]“.

    بل يصف مقدسي تجربته الشخصية في البحث في المذهب الحنبلي بقوله:”لقد قبلت شخصيا لوقت طويل تاريخ هذه الحركة كما تصوره تلك المصنفات، لكنني أخيرا وصلت إلى أن هذه الرواية لا تتفق مع الحقائق الموجودة في المصادر إلا إذا حصر المرء قراءاته في المصادر الأشعرية من غير مقارنتها بالمصادر الحنفية والشافعية والحنبلية. إن هذه المصادر الأخيرة بالتأكيد لا يستغني عنها لفهم تاريخ الحركة الحنبلية والأشعرية“.

    ثم يقرر أنه:”على النقيض من الزعم الذي يقرر أن المذهب الحنبلي وجد على طرف الإسلام، فإن هذا المذهب يقع في عين الوسط من الأمة الإسلامية[13]“.

- مجمل القول:

    أن جورج مقدسي يمثل مرحلة نقدية كبيرة في المراجعات الاستشراقية تجاه التراث الإسلامي عامة. فهو بحق مرحلة تغييرية ومتوازنة في غالب تحليلاتها في إطار الاهتمام الاستشراقي بالمذهب الحنبلي نجد أثرها في بعض المصادر الاستشراقية. ومع ما قدمه مقدسي من جهود في سبيل تغيير المفاهيم الاستشراقية فيما يتعلق بالمذهب الحنبلي إلا أن النظرة الاستشراقية لهذا المذهب واضحة التأثر بشكل كبير بآراء جولتسيهر في غالب اتجاهها العام، وهي نظرة يشوبها الكثير من التحيزات والإسقاطات المعيارية.

    لكن الجهد الذي قام به مقدسي يحتاج إلى إكمال لمسيرته البحثية من قبل الباحثين الشرقيين والغربيين، فهو ينحو في قراءته للمذهبية الإسلامية باتجاه القراءات الشمولية المستوعبة للسياقات التي تكونت فيها تلك المذاهب. وعليه يمكن تثمين جهد مقدسي الكبير في دراسة المذهب الحنبلي خاصة.  

________________________

  • الإحالات:

[1] المطرودي، المذهب الحنبلي، ط1، مكتبة الرشدالسعودية، 1438هـ، ص5 فما بعد. بنحوه.

[2]  جورج أبراهام مقدسي، مستشرق أمريكيمن أصول لبنانيةولد في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان في 15 مايو 1920. وتوفي في ميديا بولاية بنسلفانيا في 6 سبتمبر 2002. وكان أستاذا للدراسات الشرقية . درس أولاً في الولايات المتحدة، ثم في لبنان. ثم تخرج عام 1964 في فرنسا من جامعة باريس السوربون .عمل أستاذا في جامعة ميتشيغان وجامعة هارفارد قبل الوصول إلى جامعة بنسلفانيا في عام 1973، أستاذا للغة العربية. وظل هنا حتى تقاعده عام 1990 ، حيث شغل منصب مدير قسم الدراسات الشرقيةأصبح أستاذا فخريا فيالدراسات العربية والإسلاميةفي جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا.كان مهتمًا بشكل خاص بالقضايا المتعلقة بالتعليم العالي في العالم.

      وقد كان عضوًا وعضوًا فخريًا في العديد من المنظمات العلمية المهنةمن بين الأوسمة الأخرى، كان زميلًا في غوغنهايم مرتين.  في عام 1977، شغل منصب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية، ومقرها الآن في توكسون، أريزونا، الولايات المتحدة. (ينظر: ترجمة جورج مقدسي في مقدمة العدوي لكتابيوميات فقيه حنبلي“).

[3] وترجمها إلى العربية، وقابلها بأصلها العربي أحمد العدوي، ط1، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرةمصر، 2019م.

[4] نشر على شكل مقالات محكمة؛ ثم في كتاب مستقل بلغته الأصلية الإنجليزية عام 1981م. وتمت ترجمته عربيا من قبل: سعود المولى، وراجعه: رضوان السيد، ط1، من منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشربيروتلبنان، 2017م

[5] المطرودي، المذهب الحنبلي، ص21.

[6]جورج مقدسي، الإسلام الحنبلي، سعود المولى، وراجعه: رضوان السيد، ط1، من منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشربيروتلبنان، 2017م. ص126

[7]  المصدر السابق، ص117. بنحوه.

[8]  المصدر السابق، ص127. بنحوه. وعن المطرودي، المذهب الحنبلي، ص24.

[9] جورج مقدسي، الإسلام الحنبلي،ص 121، بنحوه.

[10] المصدر السابق،ص 101، فما بعد. ملخصا.

[11] المصدر السابق،ص 101، فما بعد.

[12] المصدر السابق،ص 125. 

[13] المصدر السابق،ص 125.

  • المراجع:
  1. المطرودي، عبد الحكيم، المذهب الحنبلي وابن تيمية: خلاف أم وفاق؟ ترجمة: أسامة عباس وعمر بسيوني، مراجعة: عبد الحكيم المطرودي، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ودار روافد الثقافية، بيروتلبنان، 2019م.
  2. المطرودي، عبد الحكيم، المذهب الحنبلي، ط1، مكتبة الرشدالسعودية، 1438هـ م
  3. مقدسي، جورج، الإسلام الحنبلي، ترجمة: سعود المولى، وراجعه: رضوان السيد، ط1، من منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشربيروتلبنان، 2017م.
  4. مقدسي، جورج، بــيوميات فقيه حنبلي من القرن الخامس الهجريلــ ابن البناء الحنبلي، ترجمها إلى العربية، وقابلها بأصلها العربي أحمد العدوي، ط1، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرةمصر، 2019م.
    ———–

اكتشاف المزيد من /مدونة/ أحمد الحمدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading