مقالات

الأخلاق والطبيعة

   

الأرض هي التَّعيُّنٌ الفريد من بين وُجُودات الكون الـمُتمدِّد. أرادتها المشيئة الإلهية المطلقة أن تكون محط رِحال الإنسان عبر رحلته التاريخية الملحمية، والتي لا زالت في صيرورتها، يسير فيها الإنسان محاطاً بقوانين، ليغادرها بهدوء. ويقوم بأدواره الحياتية، مراعياً للعالم من حوله، في محيطٍ كوني يسوده الوفاق والتناغم في كثير من تضاريسه، ولا يرتقي بتعامله مع عالَم الطبيعة إلى تأليه المحيط:كما هو شأنُ فلسفاتٍ شرقية مُفرِطة؛ ولا يُفسِدُ المحيط: كما هو شأن فلسفاتٍ غربية مُفَرِّطة.

 هذان الموقفان، تأليه المحيط أو دعوى الإحاطة به والرغبة بالسيطرة عليه، هما موقفان سالبان(-) من الوجود بالدرجة الأولى، بينما تقف منه الرؤية الأخلاقية التوحيدية موقف الرؤية للعالَم التي يقدمها الوحي له؛ متطابقاً مع وحي خيريِّةِ كينونته الأولى. وحتى غير المؤمن بنسق ديني محدد؛ سيقف ولا بد من الكون موقف المشفق على العالَم لفرط ما يراه من إفساد بشري له.

القِيَم الأخلاقية تتجلى عند كل سلوك صالحٍ وخيِّر، كما تتجلى تماماً عند كل سلوك لا أخلاقي مدمر، والقيم الخُلقية الخيرية بذلك تكون دينًا حتى لو لم يكن صاحبها متدينًا بمنظومة دينية محددة.

إلا أن تداخلاً يندغم فيه موقف المؤمن الأخلاقي، وموقف غير المؤمن الأخلاقي، يستصحب فيه كل منهما موقفه كموقف إنساني، أو ديني/إنساني معاً وكلاهما يمثلان موقفان إيجابيان(+) موقفهما هو من قبيل المواقف من مستويات كونية وعالمية الأخلاقيات العامة. ينسجم فيها أبناء الأرض كلهم التي “حملتهم على ظهرها” لحفظ مخطَّطِها الكوني في مسيرة “رحلة استخلافية وعمرانية“.  لأن نواتجَ اعتلالات الخلل في الأرض ومحيطها لن ينأى عنه منهما أحد؛ سواء أكان المؤمن الأخلاقي أو اللامؤمن الأخلاقي.

     وهـكذا، فإن تحطيم وإفساد الطبيعة المحيطة هو أحد نواتج ثقافة لا أخلاقية، مؤمنة كانت بدين معين أو غير مؤمنة. إفساد الطبيعة هو حصاد انقلاب قيمي! وعقليةٍ وحشيةٍ أوجزَ طبيعتها “هنري كيسنجر” (مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون ووزير خارجيته فيما بعد) بأطروحته التي تنهج “إدارة الأزمات وليس حلها“! أي أنها سياسة كونية يُجعل العالم فيها على مفترق طرق مصيرية.

نعم؛ ليس ثمت خيار للتراجع عن المنجز الصناعي والعودة إلى عصر خالٍ من مسيرة التقدم المادي الذي وصلت إليه البشرية؛ إذ إن هذا الأمر مفروغ منه، ويجب أن ندركه ونعيه، ولا مزايدة فيه البتة. لكن مسيرة التقدم المادي المصحوبة بـ”سؤال الأخلاق والقيم الكونية” هو الحيوي والمصيري والمطروح على ممارسات الإنسان في منجزه المادي: لقد تحول الإنسان المعاصر الذي يدير رحى قوى الأرض الاقتصادية والعسكرية بوجه عولمته المشئوم إلى”أَرَضَة=دُودة” تنخر ظهر الأرض المأروضة لمجرد تحقيق “الاستملاك” المستمر؛ و”الاستهلاك” المستعر.

    باختصار: إننا نعيش “روما الجديدة”، جنة السادة، وجحيم العبيد.

ربما سيحكي التاريخ الكوني أنه: ذات زمن، مرَّ من هنا، ومن هناك مخلوق؛ من فرط غروره ظن أنه إلـهٌ لـلأكوان! لا مخرج لإنسان العصر من سؤال الأخلاق في راهنه مع الكون الطبيعي والمنجز الصناعي والثورة التكنولوجية.

(وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ) [الرحمن: 10] أي للخلائق كلهم، وعلى وجه آخر في تفسير الآية؛ أن الأنام هم البشر= خص الله الإنسان بوضع الأرض له، لأنه الأكثر انتفاعاً بها، وبما عليها (كما يقول الفخر الرازي تــــــ505هـ) فكان الأمر أشبه بقانون إلهي خالد. وعليه فإن الأرض مسؤولية أخلاقية للجنس الإنساني.


*****

اكتشاف المزيد من /مدونة/ أحمد الحمدي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading